الاثنين، 7 يناير، 2013

في رحاب الأمس .!!


فيْ رِحَابِ الأْمْس
ماذا يمكن أن يجمع اليوم بالأمس ؟ أو بالأحرى ؛ ما الذي عساه يجمع بين عجزي بالأمس وقدرتي اليوم ؟
لطالما جال هذا السؤال بخاطري كلما تذكرت و عاينت عجزي عن شيء بالأمس ؛ تُرى لو سمع الأمس ما يجول بخاطري الآن حوله من أسئلة ماذا تُراه يصنع ؟ لو علم أن هؤلاء الناس جميعاً أو معظمهم ليس لهم حديث إلا عنه : لو علم أن من الناس من يستنزل عليه اللعنات لأنه كان بائساً فيه : لو علم كم من المآسي تُحكي كل لحظة على ألسن الناس والعهدة في صدق هذه المآسي على الأمس وحده : لو علم أن احترام الناس له المبني على احترام القدر لم يدم أكثر من ساعات ودقائق ثم بدأ الهمس يعلو والهمهمة ترتفع والثرثرة تدوي في طنين كطنين الذباب .
اعتقد لو أنه سمع ما يدور حوله من همز ولمز لصاح في الناس يرد غيبته : أتسمون أنفسكم بشراً أيها المتخاذلون ؟ انصرفوا أيها اللكعاء ؛ دعوا الأمس واعملوا اليوم !!
شخصياً لا أعتقد ان الأمس يمكن أن يفعل هذا أو أن يُعير هؤلاء اللكعاء أي انتباه ؛ إنه ما إن يبصرهم هكذا حتى يشخص ببصره عن أهل الأرض جميعاً فلا يكونوا في حاضرهم منه في شيء إلا حسنات رفعها و أوزار لهم حفظها .
إذن سؤالي هذا لا معنى له عند الأمس ولا قيمة ؛ إنما هو سؤال يفرضه عليّ فضولي و وقاحتي و خيالي المريض ؛ لكني رغم ذلك مُصر على معرفة جواب سؤالي من الأمس شخصياً ؛ من أجل هذا تواقحت وتصافقت و قطعت سكون الامس في خلوته بحديثي ...
-       صباح الخير أيها الأمس .
-       (ساخراً) ماذا تقول  !!
-       أقول صباح الخير !! إنها تحيتنا التي عاينتها بنفسك عند قدومك إلينا نحن معشر أهل الأرض .
-       أعرف أنها تحية : ولكنها تحية توحي ببداية اليوم ولا يليق بك أن تذكر بداية اليوم في وجه الأمس هكذا بكل صفاقة وكأنك تسخر منه .
-       عذراً عذراً ؛ لكني لم أقصد منها كل هذه الإيحاءات !!
-       ذلك أنكم قوم تجهلون قيمة الكلمة و قيمة اللحظة .
-       إذن ؛ وبكل حزن : مساء الخير أيها الأمس الجميل  .
-       ولا حتى هذه  ؛ إنها تذكرني برحيلي عنكم إلى الأبد ولحظاتي الأخيرة فيكم .
-       لقد حيرتني ؛ ماذا أفعل تحية لك و تقديراً حينما أقبل عليك ؟
-       يكفي أن تُقْبل على الأمس بوجه متجهم و قلب متتوق للغد .
-       لماذا رحلت عنا أيها الأمس ؟
-       عادي !
-       عادي !! ماذا تعني ؟!
-       أعني أني رحلت كما يرحل كل شيء وكما سيرحل كل شيء في الوجود .
-       قتل الله الفلسفة التي ملأت عقول الناس والخلق جميعا !
-       مالي أقرأ الضجر والغضب من جوابي في وجهك !
-       أسألك عن رحيلك عنا و تركك فينا كل هذه الآلام و إصرارك على إثبات عجزنا و رحيلك عنا بكل عزيز وحبيب فأرجوك لا تجيبني بهذه الفلسفة القاتلة .
-       ويا عجباً للناس ؛ كأنكم ملكتم أعماركم و ضمنتم لأنفسكم دولتي الليل و النهار؛ فلا تفكرون إلا في زاد الدهر و الحياة المتطاولة و لا ترتابون في أنكم تعيشون عمراً واحداً محدود ومع ذلك تمنون أنفسكم بأحلام تفنى فيها أعمار كثيرة ؛ تلك مهمتي فيكم أن أخرج من بينكم أو تخرجون أنتم مني ومنكم القانع ومنكم الضاجر .
-       تلك هي رسالتك في الحياة أيها الأمس !!؟
-       نعم ؛ وأن أخرج منكم بحسناتكم وسيئاتكم و أن أحمل إلى رحابي بعض أحبابكم حتى أحتفظ لنفسي بذكرى في عقول الأحياء منكم .
-       ماذا تقصد ؟!!
-       أقصد أنكم لن تذكروني و تذكروا تاريخي إلا بموت فلان و قتل فلان لفلان و عجزكم عن شيء في تاريخي : أفلا ترى أني إن رحلت عنكم بلا آثار فإنكم لن تذكروني و لن يبقى ذكرى في صفحات تاريخكم معشر البشر ؟
-       لكن ذكرك في قاموس أكثرنا كُتب بحروف أشد سواداً من قبعة الكاهن و بمداد دموع الثكالى والعاجزين .
-       فلتجفف النساء دموعهن الغالية وحذار أن يُتلفن هدباً واحداً من أهدابهن الجميلة ؛ فالحياة كلها لا تساوي هُدباً واحداً من أهدابهن الرقيقة ؛ أنا أعلم أنه لولا جلال القدر ورهبته لألقيتم علىّ نعالكم ذات الكعوب العالية وغير العالية .
-       ذلك أنك أيها الأمس لم تعاين هَمّ من يحس ويرى كيف يموت العزيز وكيف يتحول أحلى ما في حياته من أماني و أحلام إلى ذكرى .
-       لأنكم نسيتم أن سنة الله فيكم ماضية و أمر الله لابد واقع و الموت من أوامر الله .
-       لكنك كنت قاسياً ولم تمهل رغبتي في السعادة وتلك أيضاً رسالتي أنا في الحياة .
-       رسالتك أن تعيش و تُمني نفسك بشهوات الحياة تريد أن تجمعها بين معطفك كمن يريد أن يغترف بحراً بكأس !!
-       لا ؛ بل رسالتي أن أبني لنفسي مجداً ولا مجد لمن ليس له مال وحين أملك المجد أكون في أهل الأرض الألف و الباء وتكون كلمتي في الناس - ولو بظلم - هي القضاء وبالمال أملك سعادة نفسي .
-       إذا كنت  تعتقد أن المال كان سبيلك للسعادة  في رحابي فأنت واهم .
-       بل السعادة كل السعادة في مِلاك الأشياء مجتمعة ولا يكون ذلك إلا للغني ؛ فيجعله غناه بالأشياء ملكاً لغده و ليومه و ملكاً على الناس يقهرهم .
-       إن لم يكن الغني من الناس يواسيهم ويسعفهم ويتخذ من المال سبيلاً إلى قلوبهم بالمساعفة والإحسان ويأخذ لنفسه بقدر ما لها و يعطي منها بقدر ما عليها ولم يكن ذهبه عند دموع البائسين و اسمه في دعوات المحتاجين فلا قيمة له عندي وعليه من لعنات الله والملائكة والناس أجمعين ما يرافقه أيما منقلب ينقلب .
-       إنما طلبت المال في رحابك لأملك كل المتع ولأستجلب ما لم أجده في فقري .
-       أوليس في الأرض غير المال ما يمكن أن يُستلذ به ، وأين تلك السوق التي يبتاع منها المريض العافية والحزين مسرة والهرِم شباباً والميت رجعة أخرى ؟؟
-       يبدوا أني أخطأت حين أقبلت عليك بأحلامي و أمانيَّ ؛ لقد نسيت أنك لست مهداً للأحلام وإنما قبراً يقبرها , إنه لا أمل فيك ولا رجاء .
-       إنما أنا خطوة منك على طريق نهايتك فليست الأيام معنى حياتك وهدفها كي تسعي إليها هكذا ممنياً نفسك بوهم الخلود .
-       إنما الحياة كل الحياة لي ، والمجد كل المجد لي ، والسعادة كل السعادة لطويلي الأمال أمثالي رغم أنفك أيها الفقيد المُسجى .
-       ماذا تقول ! هل هذا سب !!
-       بل سخرية منك أيها الفقيد لأنك تتمثل الآن دور الناصح الحكيم المتواضع بعد رحيلك ولو أني حدثتك في حياتك لملأت نفسي أملاً ومُتعاً ومن ثَمْ ..سعادةً .
-       لو أن السعادة مما تنبت الأرض و تسقي السماء أمام ناظريك ما كانت حينها أيضاً إلا بأمر من الله وقدر ؛وقدر الله ألا سعادة إلا للقانعين الذين لا يزيدون في أحلامهم عن غايتهم في إرضاء الله .
-       (ساخراً) وأين بقية الأحلام والمتع .. هل هي نظريات ثَبُت فشلها الآن !!
-       وأين ما صبته السماء من نيرانها وما أخرجته الأرض من وشيها وما تغنت به الطير من أغاريدها وما صح وما فسد ، وما ضر وما نفع ،وماصدق وما كذب ؛ في كل لحظة تمتلئ الدنيا لتفرغ ثم تُفرغ لتمتلئ وماضيها ومستقبلها مطرقتان يطحنان بالموت كل مار بينهما .
-       (ساخراً ) لقد رفعت الآن من معنوياتي حتى لتكاد تلامس فلك الثُريا !!
-       أيها المغرور ؛ ما أراك إلا دائباً في طلب الحياة حتى تكاد تفقدها من شدة الطلب ؛ فإياك و إياها .
-       إيّاي و إيّاها !!!
-       نعم ؛ لا تأخذ معنى الحياة من نفسك فإن لنفسك أغراضاً تريد أن تكون هي الحياة ؛ ولا تأخذه من الأحياء فإن فيهم أغراض نفسك ؛ ولا من عمرك القصير .
-       ألم أقل لك ؛ وحده الغد من آخذُ منه معنى الحياة .. لابد لي من لقاء معه .
-       لا ؛ بل خذ معنى الحياة من القبور التي تملأ الرُحب والأفواة الصامتة التي لا تكذب ؛ واسمع للحياة إن كنت تعرف لغتها أو اسمع للموت الذي يعرف كل حي لغته .
-       أسمع للموت !!
-       تماما ؛ كما تقول .
-       أخطأتُ لما توهمتُ أني سآخذُ منك معنى الحياة ومُتعها ؛ لابد لي من لقاء مع الغد أستمد منه روح الحياة ومعناها ، فإلى اللقاء أيها الأمس المتشائم .أقسم أنه لا فائدة من مناقشة ( أمس ) مضى !!

أيمن فتحي علواني

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يسعدني مشاركتك وإبداء أرائك في هذه المساحة